لسان الدين ابن الخطيب

29

الإحاطة في أخبار غرناطة

والقضب رافلة يعانق بعضها * بعضا إذا اعتنقت غصون قدود لهفي على ذاك الزمان وطيبه * وعلى مناه وعيشه المحسود تلك الليالي لا ليالي بعدها * عطّلن إلّا من جوى وسهود كانت قصارا ثم طلن ففيها « 1 » * تأتي على المقصور والممدود وأما ما استند إلى الجبل ، فيتصل به البيازين في سفح الجبل ، المتصل بالكدية ابن سعد ، متّصلا بالكدية المبصلة ، المنسوبة لعين الدّمع « 2 » ، منعطفة على عين القبلة ، متصلة بجبل الفخّار « 3 » ، ناهلة في غمر الماء المجلوب على ذلك السّمت ؛ أوضاع بديعة ، وبساتين رائقة ، وجنّات لا نظير لها ، في اعتدال الهواء ، وعذوبة الماء ، والإشراف على الأرجاء ، ففيها القصور المحروسة ، والمنارة المعمورة ، والدّور العالية ، والمباني القصبيّة « 4 » ، والرياحين النّضيرة ، قد فضّ فيها أهل البطالة ، من أولي الحبرة ، الأكياس ، وأرخصوا على النفقة عليها ، غالي النّشب « 5 » ، تتنازع في ذلك غير الخادمين ، من خدّام الدولة على مرّ الأيام ، حتى أصبحت نادرة الأرض ، والمثل في الحسن . ولهذه البقعة ذكر يجري في المنظومات على ألسنة البلغاء من ساكنيها وزوّارها ؛ فمن أحسن ما مرّ من ذلك قول شيخنا أبي البركات « 6 » : [ الطويل ] ألا قل لعين الدمع يهمي بمقلتي * لفرقة عين الدمع وقفا على الدّم وذكرته في قصيدة فقلت : [ الكامل ] يا عهد عين الدمع ، كم من لؤلؤ * للدمع جاد به عساك تعود ! تسري نواسمك اللّدان بليلة * فيهزّني شوق إليك شديد

--> ( 1 ) في الأصل : « فيها » وهكذا ينكسر الوزن . ( 2 ) كان عين الدمع من عجيب مواضع غرناطة ، وهو عبارة عن جبل فيه الرّياض والبساتين ، ويتصل بجبل الفخار . راجع مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر ( ص 38 ) ففيه دراسة مفصّلة عن هذا الموضع . ( 3 ) جبل الفخار من شعب جبل سييرا نقادا المشرفة على مدينة غرناطة ، ويسمى اليوم Monte Alfacar . راجع : مملكة غرناطة ( ص 47 ) . ( 4 ) المراد بالمباني القصبية : المباني المحصنة التي تشبه القصبة . ( 5 ) النشب : المال أو العقار . لسان العرب ( نشب ) . ( 6 ) هو أبو البركات محمد بن محمد بن إبراهيم ، المعروف بابن الحاج ، البلفيقي الأصل ، من شيوخ ابن الخطيب ، وسيترجم له ابن الخطيب في الجزء الثاني من الإحاطة .